«السيدة الأولى» اللقب الذى منحه المصريون لأم كلثوم حبًا وانتزعته “جيهان السادات” بالسلطة ورفعه الشعب عن “سوزان مبارك” بثورة

فى دساتير العالم والقوانين الخاصة بكل دولة لا يوجد أي نص يشير لمنصب اسمه “السيدة الأولى” كتعريف لزوجة الرئيس، إلا أنه أصبح مصطلحاً أو لقباً دارجاً على مدار العقود الماضية تحصل عليه زوجة رئيس الدولة.
من أين جاء اللقب؟ ومن أول من نالت اللقب؟ وهل هو حكر على زوجات الرؤساء أم نالته أخريات؟
((ولها وجوه أخرى)) تجيب عن هذه الأسئلة فى التقرير التالي وتكشف قصة هذا اللقب بدايته ونشأته عالميًا وقصته في مصر بعد ثورة 1952 وكيف كتبت ثورة 25 يناير شهادة وفاة هذا اللقب.

نشأة لقب السيدة الأولى عالميًا

يعتبر الرئيس الأمريكي “زكاري تايلور” هو أول من استخدم هذه اللقب 1849 واصفًا به دولى ماديسون (زوجته) في جنازتها تقديرًا لها وبالفعل أطلق الناس عليها السيدة الأولى.
ومن هنا بدأ الجميع يطلق اللقب على زوجة كل رئيس أمريكي، وانتقل اللقب بعد ذلك من أمريكا إلى كل دول العالم على اختلاف أنظمتها السياسية سواء: أميرى أو ملكى أو جمهورى.
وجرى العرف أن تجاور السيدة الأولى الرئيس في المحافل الدولية إلى جانب قيامها بالعديد من النشاطات الاجتماعية والثقافية، فضلًا عن المساحة الإعلامية التي تخصص لها داخليًا وخارجيًا للمشاركة في المنتديات الدولية التي تعقدها السيدات الأوائل ويتناولن فيها أهم القضايا المعاصرة المعنية ببلدانهم.
فى المقابل بعض البلدان مثل بريطانيا صاحبة الديمقراطية العريقة، لاتعترف باللقب بل وتعتبره لقبًا لا داعى له ولا ينص عليه دستور أو قانون أو حتى عرف وتقاليد.

أطلقه المصريون على “الست”

786324673332274

تقديراً وحباً لها ولمجهوداتها العظيمة في حرب الاستنزاف بعد نكسة 1967، فى جمع الأموال سواء داخل مصر وخارجها من أجل التمويل الحربي ولكثرة نشاطها الاجتماعي والثقافي واعتنائها بقضايا الأيتام من خلال تدشينها لمشروع اجتماعي ضخم يرعى مصالحهم، اختار الشعب المصرى أن يطلق اللقب على “أم كلثوم” ولم تفرضه قواعد أو نظام سياسي.

“أم كلثوم” اشتهرت بأعمالها الوطنية كما كانت سفيرة في وقت الحرب مثلت مصر وقتها فاستحقت هذا اللقب وظلت هي سيدة مصر الأولى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ولم يزعج ذلك زوجة الرئيس السيدة “تحية كاظم” بل كانت دائماً وعلى طول الخط منزوية بعيداً عن الأضواء ولم تسع أبداً لنيل اللقب.
قبل السيدة “تحية” كانت السيدة “عائشة لبيب” زوجة الرئيس نجيب وهى الأخرى ظلت بعيدة عن الأضواء وظهورها كان محدوداً، يرتبط فقط باستقبال زوجات الحكام وكبار المسؤولين لذلك لم يلاحقها اللقب ولم تلاحقه هى الأخرى.

 

977344572311267 تحية عبد الناصر

جيهان السادات “السيدة الأولى” بالمفهوم الغربي

عقب تولي الرئيس السادات الحكم بدأت زوجته “جيهان السادات” تتطلع لتطبيق اللقب بصورته المتعارف عليه دوليًا “زوجة الرئيس”
وعلى إثر ذلك الطموح، اختفى المشروع الخيرى الذى دشنته السيدة الأولى وقتذاك “أم كلثوم” وظهر مكانه جمعية “النور والأمل” التى ترأستها “جيهان السادات” ومن ثم بدأت عملها الاجتماعي والثقافي في المدن والريف، لينتقل اللقب إليها “السادات” وباتت تظهر بصلاحيات اجتماعية وأنشطة داخل مصر وخارجها وكان لها حضورها القوى وعلاقاتها المتعددة، وأخرجت للنور مشروعات اجتماعية مثلت نقلة نوعية مثل “تنظيم الأسرة”.
هذا فضلاً عما جرى من تعديلات على عدد من القوانين – كانت فعلياً لصالح المرأة – وأبرزها ما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية. المناهضون لسياسات السادات وقتذاك ولتدخلات جيهان فى الحياة السياسية – كما أثير وقتها – أطلقوا على هذه النصوص التشريعية “قوانين جيهان”.

256459602620453

سوزان مبارك .. ورثت اللقب فحولته لمنصب واسع الصلاحيات

466760053765029

تحول اللقب إلى منصب سياسي خلال فترة حكم الرئيس “مبارك” ومع بداية حكمه، قامت “سوزان ثابت” بعدة مشروعات أثرت الحياة الثقافية في مصر ومنها الهيئة العامة للكتاب محققة بذلك أمنية الكاتب الراحل توفيق الحكيم والحملة القومية “القراءة للجميع” وأولت اهتمام بقضية محو الامية فضلاً عن تبنيها عدة مشروعات ومبادرات فى صالح الفتيات، منها” لا للختان” إلى جانب ترأسها المجلس القومى للمرأة (الذى قيل أنه أنشئ بقرار من مبارك بعد إيعاذ منها).
وبرغم البريق الذى صاحب كل هذه المشروعات، إلا أنها ظلت مشاريع مربوطة باسم السيدة الأولى، وجودهم وأنشطتهم ومستقبلهم مرتبط بالسيدة الأولى”الحالية”، وترددت الأقاويل خاصة خلال العشر سنوات الأخيرة من حكم مبارك أن أنشطة “سوزان” المتعلقة بالمرأة والطفل، هى بحث عن صيت دولى بين الزوجات الأوائل خصوصاً من الدول العربية الأخرى.
فى ظل مدة حكم طويلة للرئيس الأسبق قاربت الــ30 عامًا، وسعت من صلاحياتها وتعدى الأمر مجرد المبادرات والمشروعات المجتمعية إلى التدخلات السياسية وفى السنوات الأخيرة لحكم مبارك تكاثرت الروايات بشأن إدارتها لمشروع التوريث الذى كان أحد الأسباب الرئيسة فى اندلاع ثورة ال25 من يناير.

شهادة الوفاة بتوقيع ثورة 25 يناير

قامت ثورة 25 يناير لتقضي على نظام مبارك وفكرة التوريث، ومحت بدروها لقب السيدة الأولى وجاءت الانتخابات الرئاسية عقب الثورة فى عام 2012 ليتأكد لجميع المرشحين أن مسألة وجو دسيدة أولى بصلاحية واسعة سياسية اجتماعية لم تعد مقبولة ولم يعد لها مكان واعتبر قطاع ليس بالقليل أن اختفاء لقب السيدة الأولى والصورة المتعارف عليها له أحد انجازات الثورة.
وخلال هذه الانتخابات أعرب عدد من المرشحين أنفسهم عن رفض اللقب منهم، “عمرو موسى” – المحسوب على التيار الليبرالى، والذى قال أن اللقب في أصله مستورد، ودخول زوجة الرئيس في حلبة السياسة أو في مسارات الحكم مسألة فيها خطأ كبير جداً، ولا تصح.
واتفق معه في الرأي “حمدين صباحي” – القيادى الناصرى- الذي رأى أن زوجة الرئيس يجب عليها أن تمارس دورها في الحياة كما كانت قبل أن يكون زوجها رئيساً، والنموذج الذي يفضله لزوجة الرئيس هو نموذج تحية عبد الناصر زوجة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
أما عن “محمد مرسي” الذي جاء رئيساً عقب ثورة 25 يناير لم يرحب باللقب ورفض اقحام زوجة الرئيس في الحياة السياسية، وما هو أكثر من ذلك أن زوجته”نجلاء على” خرجت على شاشات التليفزيون، لتقول إنها ترفض لقب “سيدة مصر الأولى” وتفضل لقب “خادمة مصر”، ودعت الجميع لمناداتها بالأخت “أم أحمد”.
حالة الرفض العامة للقب انتهت إلى تهدئة أصحاب المطالبات بوجود نص فى الدستور يمنع تكرار نموذج “سوزان مبارك”
واختفى اللقب تماماً بتولي المستشار عدلي منصور زمام الأمور عبر فترة انتقالية الذى لم تدخل زوجته معترك السياسة من أى باب، ولم تظهر حتى فى أى مناسبات اجتماعية، وهو النهج الذي تتبناه السيدة “انتصار عامر” زوجة عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية الحالى، لينتهى أمر اللقب وما يحيط به من جلل.
وأخيراً مفاد القصة أن الشعب المصري كما سلم لقب “السيدة الأولى” لأم كلثوم حباً وتقديراً لها ولمجهوداتها التي قامت بها لأجل مصر وشعبها، هو أيضاً من انتزع اللقب نفسه من “سوزان مبارك” بثورته فى 25 يناير بعد أن تحول لمنصب سياسي بصلاحيات مطلقة.

چينا مسعود
صحافية متخصصة فى تغطية شؤون وقضايا المرأة

مواضيع ذات صلة:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.