أحزان الياسمين

بقلم: رشا أبو رجيلة

قصة كملايين القصص، أسردها إليكم، لنتعلم منها، ولنشاركها أحزانها وأخطاءها، أو ربما نكون نحن المخطئين، وربما أخطأ المجتمع. ياسمين فتاة كفيفة مستديرة الوجه منمنمة الملامح رقيقة الصوت خجولة الطبع، من سكان أحد الأحياء الراقية في القاهرة، اعتادت الخروج يوميًا في كل صباح، مع خادمة لها، لا تفكر “ياسمين” سوي في مستقبلها، إذ كانت تتلقى تعليمها الجامعي، بالإضافة إلى بعض الدورات، لإثقال مهاراتها اللغوية وفي التعامل مع الحاسب الاَلي، فضلًا عن عملها كمدربة لتعليم الأطفال ذوي الإعاقة البصرية، عبر طريقة ((براييل))، تتمتع بالأخلاق الحميدة والتدين، وكان ذلك مصدر إعجاب من حولها بها، لكن الحياة بطبيعتها لا بد أن تمر بمنعطفات، ففي عامها الجامعي الثالث، توفي والدها ووالدتها، في حادث سير مروع، وأصبحت بلا عائل ولا حتى من يشاركها حياتها بكل مصاعبها، فماذا تفعل فتاة أثقلت الحياة كاهلها؟
تتحمل كل تلك الأعباء وهي الأخت الصغرى لشقيقتين، تزوجت إحداهما في الصعيد، والأخرى تعمل طبيبة في إحدى دول الخليج.
وبعد مرور أيام الحداد وانشغال الجميع بما لديه، وجدت “ياسمين” نفسها بين مطرقة الحزن وسندان الوحدة، وفي أحد الأيام، ذهبت إلى مقر مركز الأطفال ذوي الإعاقة البصرية، الذي كانت تعمل فيه، واستدعتها رئيسة المركز، لتخبرها بأن المركز قد عيَّن مدربًا جديدًا، سيشاركها العمل وعليها أن تطلعه على خطة العمل، وبالفعل فعلت وتحدثت إليه، كان اسمه “محمود”، شاب رياضي، حصل على العديد من البطولات، كما حصل على درجة الماجستير في الفلسفة، وبدى من تعبيراته أنه شاب متدين، وكان من ذوي الإعاقة البصرية، وهذا كل ما عرفته عنه.

مرت الأيام بينهما متوالية سريعة، وفي كل يوم يتقاربا فكريًا أكثر، إلي أن شعرت بمشاعر عاطفية تجاهه، وأضحت تنتظر مكالماته الهاتفية، التي كانت تملأ فراغ يومها وقلبها، حتى صارحها بحبه لها، وقتها شعرت بسعادة غامرة، عوضتها كثيرًا عن ما لاقته، ومرت أيامها معه، تحمل لها كثيرًا من السعادة والتفاؤل والأمنيات الجميلة، إلي أن قررت أن تناقشه، بشأن وضع إطار رسمي لعلاقتهما، عندها وافق، لكنه صدمها بطلبه أن يكون الزواج بينهما (عرفيًا) وليس (رسميًا)، لأن لديه ظروف تمنعه من الارتباط بصورة رسمية، وأنه على استعداد لتأمين مستقبلها معه بأي طريقة تراها مناسبة، صدمتها كلماته وتركته وقد تملكتها حالة من الألم والحزن، كادت تقتلها، ثم قررت أن تستقيل من المركز، الذي كانت تعمل فيه، وتبتعد عنه وتحاول تخطي الموقف لكن الأيام كانت تمر عليها بطيئة وثقيلة، فكل ما حولها يذكرها به.
وفي أحد الأيام، اتصل بها “محمود” وأخبرها أنه كان يسجل مكالماتهما سويًا، وأنه استعان بصديق له يعمل مهندس صوت في أحد القنوات الفضائية، وزوَّر مقاطع صوتية لها، وكون مكالمات وصور التقطها لها صديقه أثناء لقاءاتهما سويًا، وببعض التعديلات عن طريق برامج الحاسب الاَلي،  أصبح لديه صورًا ستؤثر على سمعتها، كان يعدها ليستخدمها ضدها، إذا رفضت عرض الزواج العرفي، ثم أخبرها أنه مضطر للسفر إلى لخارج، وعليها أن تأتي لتأخذ ما أصبح يملكه ضدها، من مكالمات وصور، مقابل مبلغ كبير من المال، وإلا سيضطر لعرضها في الجامعة التي تدرس فيها والمركز الذي تعمل فيه.

صرعت “ياسمين” من هول الصدمة وذهبت إليه تقودها مشاعر الخوف، التي كانت أكبر من أي حرص، وأخبرها أنه ينتظرها بصحبة صديق له، في سيارة في أحد الشوارع الكبرى في وسط القاهرة، وعلى الرغم من القلق الذي ساورها، أجبرها خوفها على الموافقة، حتى تتخلص من ذلك الكابوس الجاثم على صدرها. ذهبت بصحبة خادمتها إلي المكان الذي حددته للقاء، واستقلت معه سيارة صديقه، ثم اقتادها إلى منزل صديقه، حيث أدعي أن صديقه وزوجته سيكونان معهما، حتى توافق على الذهاب معه، لكن الخادمة التي اعتادت مرافقة “ياسمين” في كل لقاءاتها معه، لم تكن تطمئن له أبدًا، ومع ذلك لم تبدِ تحفظها على تصرفات مخدومتها حفاظًا على عملها لديها، لكن هذه المرة، قررت أن تنطلق خلفهما واستقلت سيارة أجرة “تاكسي”، وعندما دخلت “ياسمين” مع الرجلين إلى إحدى العمارات السكنية، تبعتهما، وبعد أن دخلت “ياسمين” إحدى الشقق، هم صديقه بالخروج، بهدوء شديد، حتى لا يسمع أحدًا صوت إغلاق الباب، وبعد لحظات، علا صراخها، فتدخلت حينها الخادمة واستنجدت بالجيران، الذين اتصلوا بالشرطة، وتمكنوا من إنقاذ “ياسمين” من براثن شخص، قابل حبها بالجحود والقسوة.،

في قسم الشرطة، اكتشفت “ياسمين” أنها لم تكن الضحية الأولى، فهو أب لتسعة أبناء من تسع زيجات عرفية سابقة، تمت بنفس الطريقة؛ يخدعهن ويوقع بهن، مستخدمًا عبارات التدين المزيف والمنصب العلمي المرموق والمستوي المادي المرتفع، وبعد الكارثة يكون العقد العرفي هو السبيل، بل الضمان الوحيد لكل فتاة يخدعها ولا تجد سوي هذا الحل، الذي تضطر وأسرتها لقبوله، كي يخرج طفلها إلى النور، دون أن يوصم كلاهما من المجتمع. المثير للاستغراب، أن كل ضحاياه من الفتيات ذوات الإعاقة البصرية، وكأنه ينتقم من كل من شاركته إعاقته، فضلًا عن ذلك، فلهذا الرجل خمسة أبناء من ثلاث زيجات رسمية.
كانت ياسمين في صدمه بشعة، تعيش في كابوس مزعج يمزق أوصالها، بعد أن أحبت وتملكها حلم الشريك الوفي والزوج الصالح والأمان، بعد شبح الو حدة الذي لازمها، لكنها وقعت ضحية لمن لا يملك قلبًا.

هذه القصة شاركتنا بها إحدى قارئات «ولها وجوه أخرى» 

يمكنكم المشاركة بقصص توثق العنف ضد النساء، عن طريق إرسالها إلى [email protected]

ولها وجوه أخرى
منصة إلكترونية تختص بمتابعة قضايا المرأة في مصر، وتقدم تحليلًا لكل المستجدات التي تطرأ على واقع النساء المصريات، وتحاول طرح حلول للمشكلات التي يعانين منها في مجتمعنا.

مواضيع ذات صلة:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *